الحاكمية ١٠

08-05-2020

- ١٠ -   الحاكمية

 

وفي هذا الباب أساسان مهمان:

١ - لا شك في كفر من لم يقبل أحكام الله ورسوله بأنها جاءت من عند الله ورسوله. لأن الإسلام عبارة عن القبول والتصديق بكل ما جاء من عند الله ورسوله وعن الاستسلام إلى الله في هذه المسائل. هذا هو الأساس الأول ولا بد أن لا يشك فيه أحد.

٢ - تفكروا رجلاً أنه يقبل ويصدق بكل ما جاء من عند الله ورسوله ولكنه يعصي أي يرتكب بعض الذنوب والخطايا وأنه يعترف كونه خاطئاً وعاصياً فهو لا يكفر وحاله راجع إلى إرادة الله عز وجل بسبب كونه ظالماً وفاسقاً، إن شاء عذبه بقدر إثمه وإن شاء غفر له.

والمسألة الأولى هي يقبلها كل مسلم حيث إن جحد أحد هذا الموضوع فهو ليس بمسلم وداخل في الكفر. وأما المسألة الثانية: أثبت أهل السنة أن من ارتكب الكبائر مع اعترافه بها وقبولها بأنها حرام وأنه ارتكب جرماً خلافاً للدين ولله عز وجل فهو لا يكفر أيضاً ولا يحكم بكفره. هذا وإن هذا الموضوع الذي اختلف فيه المعتزلة والخوارج فيما بينهما. والخوارج يكفرون أمثال هؤلاء المرتكبين من الكبائر، والمعتزلة يعبرون في أمثال هؤلاء الناس بتعبير "المنزلة بين المنزلتين" أي إن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا بكافر بل نقطة فيما بينهما.

 

الـثــمـرة:

نحن اطلعنا على هذين الأساسيين نتيجة العلم حيث يقولون في آية (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) "إن الكفر في هذا الباب كفر دون كفر." والعلماء لا يريدون أن يقولوا بأقوالهم هذه إن هذه الآية شاملة لجميع من لم يحكم بما أنزل الله في أي حال ما.

بل كان مرامهم الحقيقي أن يبينوا الحكم الشرعي في الأحكام التي كانوا يحكمون بها في عصرهم أي إن الذين لم يحكموا بما أنزل الله فهم قبلوا أحكام الله ورسوله وفي نفس الوقت يقبلون أن تكون الأحكام عامة: أي إن الدستور والقوانين الأخرى تابع لكتاب الله وشريعته. ومع ذلك قد يكون أحياناً في بعض الوقائع الفريدة يعصى الحاكم ويحكم بغير كتاب الله وشريعته، ولكنهم مع ذلك لم يصدروا أحكاماً وقوانين مخالفة ومغايرة لشريعة الله. فهم ليسوا بكفار بل هم العصاة. وبناء على ذلك تترتب عليهم الأحكام مثل ما تترتب على أمثالهم. ثم بعد ذلك ظهرت طائفة مسماة باسم الخوارج. فهم تطرقوا طريق تكفير كل مذنب. وبناء على ذلك قال علماء الأمة الإسلامية: إن الحكم بغير الحق نوع من أنواع الكفر، وأضافوا إلى ذلك: ما دام أن الحكام متمسكون بالإسلام في الأصل وأنهم منقادون لأحكام الله وقوانينه وأنهم لم يقبلوا القوانين التي هي صنع البشر حسب عقولهم أو حسب عقول غيرهم ولم يأتوا بالأحكام الجديدة فرغم أنهم مذنبون ولكنهم ليسوا بكفار."

هذا هو مرام كبار علماء الأمة الإسلامية بقولهم "كفر دون كفر." أي أنهم لم يقصدوا " أن هذا القول قيل في من لم يقبل جميع شرائع الله أو بعضاً منها."

 

وكذلك ليـس المراد بهـذا القـول:

١ - الذين بدلوا جميع شريعة الله أو بعضاً منها.

٢ - ولا الذين فضلوا نظام أنفسهم على نظام شريعة الله التي أرسلها.

٣ - ولا الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم وقدموا القوانين التي هي صنع البشر وفضلوها.

٤ - ولا الذين يحاكمون إلى الطاغوت وإلى المحاكم التي تسيطر فيها قوانين صنع البشر إن تنازعوا في شيء ولا يردوه إلى الله ورسوله تبعاً لأهوائهم.

٥ - إن تعبير "كفر دون كفر" لم يعبر في أي واحد منهم. وكما أن ابن عباس رضي الله عنه لم يقصد بهذا القول هؤلاء الأشخاص كذلك لم يقصد الذين شرحوا قوله. لأنهم عند هؤلاء (ابن عباس والشارحين) دخلوا في الكفر صراحة وصاروا كفاراً.

هل تستطيعون أن تدلنا على أحد معاصر ابن عباس رضي الله عنه يقول ما يقوله هؤلاء أو يدعوه؟ وكذا كم شخصاً تستطيعون أن تدلنا عليهم -عبر التاريخ في أي عصر رؤساء الدولة أو في أي عصر الخلفاء- من الذين يقومون بالتنفيذ والاقتراح وأن يخطر ببالهم ما يقوله المذكورون أسمائهم في المواد الخمس السابقة ذكرها.

 

مناقشة فـي هذا الباب:

لقد جرت هذه المناقشة فيما بين أبي اللاحق بن حميد السدوسي ذو ثقة من التابعين وبين مجموعة من طائفة العبادية من فرق الخوارج. وإذا قدمنا هذه الجلسة المفتوحة المناقشة أمام ملأ الناس ستوضح هذه المسألة المهمة في غاية الهمة.

ويذكر الطبري بسند صحيح هذه الرواية:

الخـوارج: يا لاحق! هل قول الله عز وجل "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" حق.

لاحــــــق: نعم هذا حق.

الخـوارج: "وهل قول الله عز وجل "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" صحيح؟

لاحــــــق: نعم هذا صحيح.

الخـوارج: "وهل قول الله عز وجل "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" صحيح؟

لاحــــــق: نعم هذا صحيح.

الخـوارج: إذاً هل يحكم هؤلاء بما أنزل الله؟

لاحـــــق: هذا دينهم، مرتبطون به، ويحكمون به ويدعون له. وإذا تركوا شيئاً منه يعلمون أنهم وقعوا في المعصية.

الخـوارج: كلا! والله هذا ليس مثل ما قلت. أنت تفرق!..

لاحـــــق: أنتم أحق لما قلتموه هذا رأيكم ولست أفكر هكذا ولكن هذه الآيات نزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك وأمثالهم. (تفسير ابن جرير جــ١٠،  صـ:٣٤٧)

هذا هو موقف الأمراء والحكام، والعلماء لم يكفروهم. وإنّ الحكم بما أنزل الله هو دين هؤلاء الحكام والأمراء، إنهم تدينوا الحكم بما أنزل الله. يحكمون بهذا الدين: وإن تبليغهم ودعوتهم إلى هذا الدين، ثم بعد ذلك أنهم إن تركوا شيئاً من هذا الدين يجدون ويعدون أنفسهم مجرمين، يقبلون ويعترفون كونهم مجرمين...

 

والآن لنسـأل أسـتاذ قرقـنجـي وأمـثالـه:

وهل موقف رجال الدولة والحكام الذين ولو هم مثل ما ذكر؟

أي عالم يستطيع أي يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب "نعم أنهم مثل المذكورين"، إذاً لا تستطيعون أن تدخلوا هؤلاء الرجال ليومنا الراهن في تعميم هذا القول "هم ليسوا بكافرين بل إن كفرهم كفر دون كفر". وهؤلاء الرجال في يومنا هذا قد كفروا كفراً بواحاً. وبناء على هذا لا يستحق لأحد أن يدافع عنهم، ولا يستطيع أن ينجي مصطفى كمال ومن تبعوا ورائه من كونهم من أهل النار.

وبناء على أهمية الموضوع نعيدها مرة أخرى: إن هؤلاء ليسوا كالذين عصوا وارتكبوا الذنوب مثل الذنوب الأخرى ولكن لم يكفرهم العلماء، وليسوا من جنس الذين كانوا موضوع المناقشة، وليسوا من جنس هذا التعبير لابن عباس رضي الله عنهما "إن كفرهم كفر دون كفر". بل كفر هؤلاء كفراً بواحاً ومضعفاً. لأنهم كما قلنا آنفاً ألغوا الشريعة الإسلامية كنظام، وأتوا بدلها قانون العقوبات من إيطاليا، والقانون المدني من سويسرا، والقانون التجاري وقانون أصول المحاكمة من ألمانيا. وكذلك قننوا بعض القوانين من تلقاء أنفسهم ومن أقوال آبائهم وجعلوها كالنص، وفضلاً عن ذلك اشترطوا: "أن لا يستند أي موضوع يتعلق بالدولة على الدين وعلى أصول الدين!" وفضلاً عن ذلك أيضاً حظّروا الشريعة الإسلامية، واعتبروها جرماً ورتبوا عليها عقوبات. وعذبوا واحتقروا مطالبي الشريعة وعاقبوهم مثل ما عاقبوا القتلة والمجرمين. أليست هذه كلها دليلاً وإثباتاً على احتقار واستهزاء الشريعة؟ وهل يفعل هذه الأمور من آمن بالله وباليوم الآخر، وصدّق القرآن والرسول، وأخلص في صلاته وصيامه؟ ولن يستطيع أن يفعل. ولا يمكن لأحد أن يمزج إيمانه بأفعاله التي ارتكبها ضد الشريعة الإسلامية من التحقير والجنايات، ولا احتمال لمزجه بها. الآن نصغي لهذا الموضوع إلى تفسير ابن كثير.

وقوله تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون" ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير, الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله, كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم, وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان الذي وضع لهم الياسق, وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى: من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها, وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه, فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله, فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير, قال تعالى: "أفحكم الجاهلية يبغون" أي يبتغون ويريدون, وعن حكم الله يعدلون, "ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون" أي ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه, وآمن به, وأيقن وعلم أن الله أحكم الحاكمين, وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها, فإنه تعالى هو العالم بكل شيء, القادر على كل شيء, العادل في كل شيء.

 

الـفــرق بـيـنـهــما:

الأول هو حال شخص يقال فيه "كفر دون كفر"! والآخر يقال فيه "قد كفر كفراً فوق كفر" يعني قد ارتد وخرج عن ملة الإسلام. ثم بعد ذلك إن هذا القول يعني قول ابن كثير ليس مجرد فتوى عالم واحد أو إمام واحد، بل إن هذا هو -إن جاز التعبير تعبيراً صحيحاً- تعبير وحكم معلوم للدين الإسلامي. ومع ذلك أن هذا حكم يقبله ويصدقه كافة المسلمين. وإن هذا الموضوع يعبر هكذا: "من ترك النظام الشرعي المحكم المنزل على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم ويحاكم بدله في المحاكم التي نسخت شريعتها ونظامها فيكفر. وإذا كان الداعي إلى الكتب وإلى المحاكم التي تستند أصلها إلى الكتب السماوية كافراً فهل لا يكون كافراً من هو الذي يدعو إلى القوانين التي تستند إلى عقل البشر -مثل ما دعا جنكز خان- أو إلى المحاكم التي يحاكم فيها بهذه القوانين أو يحكم في هذه المحاكم بها؟ وأخيراً يمكن أن يقال هذا التالي:

إن معنى المحاكمة في المحاكم التي يحاكم فيها بالقوانين البشرية مع ترك المحاكمة بشريعة الله سبحانه وتعالى في المحاكم الشرعية لَدخول في الكفر وكونه كافراً باتفاق المسلمين.

ومثال آخر: ما حكم من ترك العمل بأحكام القرآن الكريم واتبع العمل بكتاب الإنجيل وحكم به؟ فيكفر أيضاً باتفاق المسلمين! وإذا كان الحكم بكتاب مستند إلى الوحي بالاعتبار الأصلي كفراً يخرج الإنسان عن الدين الإسلامي فتفكروا في حكم من حكم بالقوانين المستندة إلى عقل البشر؟ فما حكمه إذاً إن لم يكن كافراً؟

 

وسنستمر أيضاً لهذا الموضوع...

 

جمال الدين بن رشيد خوجا أوغلي (قابلان)


RISALE

Hilafet-i İslamiyye
Hilafet-i İslamiyye

ZÄHLER

Heute 1200
Insgesamt 1533101
Am meisten 5598
Durchschnitt 1291